ابن الجوزي
9
القصاص والمذكرين
وقال : ( فغاية الأمر أنني أشرع في التقلل من الدنيا وقد ربّيت في نعيمها ، وغذيت بلبانها ، ولطف مزاجي فوق لطف وضعه بالعادة ) « 1 » . ولمّا ترعرع حملته عمته - وكانت امرأة صالحة - إلى مسجد خاله الحافظ أبي الفضل محمد بن ناصر فاعتنى به ، وأسمعه الحديث ، وحفظ القرآن على جماعة من أئمة القراء ، وسمع بنفسه الكثير ، وعني بالطلب . « 2 » . وكان أول سماعه في سنة 516 كما ذكر الذهبي « 3 » . وكان مجّدا في طلب العلم ، منكبّا على تحصيله ، لا يضيّع شيئا من وقته يقول ابن الجوزي عن نفسه : ( ولقد كنت في حلاوة طلبي للعلم ألقى من الشدائد ما هو عندي أحلى من العسل ، لأجل ما أطلب وأرجو ، كنت في زمن الصبّا آخذ معي أرغفة يابسة ، فأخرج في طلب الحديث ، وأقعد على نهر عيسى ، فلا أقدر على أكلها إلّا عند الماء ، فكلّما أكلت لقمة شربت عليها ، وعين همّتي لا ترى إلّا لذة تحصيل العلم ، فأثمر ذلك عندي أني عرفت بكثرة سماعي لحديث رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وأحواله وآدابه وأحوال أصحابه وتابعيهم . . . . وأثمر ذلك عندي من المعاملة ما لا يدرى إلا بالعلم ، حتى إنني أذكر في زمن الصبوة ووقت الغلمة والعزبة قدرتي على أشياء كانت النفس تتوق إليها توقان العطشان إلى الماء الزلال ، ولم يمنعني عنها إلا ما أثمر عندي العلم من خوف اللّه عز وجل ) « 4 » .
--> ( 1 ) « صيد الخاطر » 39 طبعة الشيخ محمد الغزالي . ( 2 ) « ذيل الروضتين » 21 و « الذيل على طبقات الحنابلة » 1 / 401 و « شذرات الذهب » 4 / 330 ( 3 ) « تذكرة الحفاظ » 1342 . ( 4 ) « صيد الخاطر » 235 .